يوسف المرعشلي

1487

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

نصراء من الوجهاء أوجب ذلك بقاءه في منصبه ، ولكنه لم يخل من الطمع في الوظائف التي لا ينبغي لمثله أن بمد يده إليها ، مثل قراءة بعض الأجزاء التي ينبغي أن تكون للحفاظ وخصوصا العميان منهم والعجزة ، وإمامة بعض المساجد التي ينبغي أن تكون لطلبة العلم ، وصار له على ما قيل نحو عشرين وظيفة ، وأنى له أن يقوم بها مع اشتغاله بأمر الإفتاء واللجان وغير ذلك من مهام الأمور ، وكان ذلك موضع انتقاد الناس له . وأثرى بعض الإثراء من هذه الوظائف ومن زراعة اتخذها في بعض القرى ، فعمّر تحت القلعة بجانب الحمام الناصري المعروفة بحمام اللبابيدية خانا ودارا واسعة ملاصقة للخان اتخذها لسكناه ، وسعى في تعريض الجادة التي أمام داره فتحسن بذلك هذا المكان ، وسيزيده تقدما شروع الحكومة هذه السنة وهي سنة 1345 ببناء دار لها عظيمة بين الحمام المتقدمة وبين المدرسة السلطانية الظاهرية التي هي تجاه باب القلعة ، وقد كان بوشر بحفر الأساسات لهذه الغاية سنة 1336 زمن مصطفى عبد الخالق بك آخر ولاة الدولة العثمانية في حلب ، ثم أهل بسبب الاحتلال الإنكليزي العربي لحلب في محرم سنة 1337 إلى هذه السنة . وقبيل وفاة المترجم بنحو سنتين ناهضه بعض من لهم علاقة في الأوقاف لمضادته لهم في أمور أوقافهم ، وحرروا في حقه المضابط المرة بعد المرة ، مبينين فيها عدم لياقته لهذا المنصب ، وأن الوظائف التي في عهدته لا يقوم بها ، فارتبك في أمره وتأثر من ذلك أشد تأثر ، بحيث أدّاه إلى الأضرار في جسمه والاضطراب في فكره ، ثم ازداد به ذلك إلى أن لزم الفراش ، ثم وفي في التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 134 ه ، ودفن في تربة الجبيلة عن ستين عاما أو زاد عن ذلك قليلا ، رحمه اللّه تعالى . القندوسي « * » ( 000 - 1360 ه ) محمد بن مصطفى القندوسي ، نسبة إلى القنادسة بلد بالصحراء الشرقية قرب فجيج ، الشيخ الجليل ، الولي الصالح ، الخيّر الذاكر ، هذا الرجل كان رئيسا لزاويتهم بالقنادسة ، وكان يأتي إلى فاس في بعض الأحيان ، لأن لهم دارا بدرب بوفير من حومة درب مشماشة . قال ابن سودة : وفي يوم الاثنين رابع عشر رمضان عام ستين وثلاثمائة وألف سمعت بمجيئه ، فذهبت عنده بعد تناول الإفطار ، صحبة ابن العم الفقيه أبي عبد اللّه محمد ابن الشيخ بن محمد بن محمد بن عبد القادر بن الطالب ابن سودة ، فوجدناه في محل خال عن الزينة والمفروش إلا ما قلّ ، فأظهر تواضعا كبيرا ولين جانب . فلما عرّفه ابن العم بنسبنا ابتهل بذلك وصار يستصغر نفسه بين أيدينا تواضعا ، وأجلسني في محله الذي كان جالسا به ، وصار يلومه على عدم إعلامه قبل بقدومي ، لأن ابن العم له اتصال به من قبل والده العم الذي أشار علينا بزيارته : والمحل ليس فيه ضوء الكهرباء وإنما يستضيء الشيخ بآلة لزيت الغاز . أخبرت أنه امتنع من إدخال الضوء . ولما استقر بنا المجلس صار يثني على أولاد بني سودة وعلى علمهم وخيارهم مخاطبا بذلك من وجدنا معه من الأتباع والأصحاب ، عرفت منهم القائد الخمّار الذي كان على أولاد الحاج قبل هذا وعزل ، وأمر بآنية الأتاي فأعيد غسلها من جديد ، وفي أثناء هذا كان يكثر من قوله : ليلة مباركة بالاجتماع معكم . ثم طلبت منه الدعاء الصالح ، وقام معنا إلى باب المصرية التي كان بها ، وهو ربعة للطول ، نحيف الجسم إلى الاستدارة ، متصل الشيبة ، كث اللحية ، بهي الطلعة . وقد ظهر فيه الكبر وعليه أثر الاجتهاد والعبادة والذكر رحمه اللّه . بلغني نعيه في صباح يوم الجمعة ثالث شوال من العام المذكور ، فبين الملاقاة معه وبين وفاته تسعة عشر يوما ، وعمره أكثر من مائة سنة ، توفي ببلده وقد حل محله ولده بإجماع من أهل طريقتهم وأتباعهم . محمد بن مصطفى بن محمد بيرم - محمد بيرم بن مصطفى بن محمد بيرم الثالث التونسي ( ت 1307 ه ) .

--> ( * ) « سلّ النصال » لابن سودة ، ص : 98 - 99 .